عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
504
اللباب في علوم الكتاب
الآية نزلت في اليهود ؛ فقوله تعالى : « كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً » أي : كان الذين آمنوا بموسى أمّة واحدة على دين واحد ، ثم اختلفوا بسبب البغي ، والحسد ؛ فبعث اللّه النبيّين ، وهم الذين جاءوا بعد موسى - عليه السلام - وأنزل معهم الكتاب كما بعث الزبور إلى داود ، والإنجيل إلى عيسى ، والفرقان إلى محمد - عليه الصلاة والسلام - لتكون تلك الكتب حاكمة عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها ، وهذا القول مطابق لنظم الآية ، وموافق لما قبلها وما بعدها ، وليس فيه إشكال إلّا أنّ تخصيص لفظ الناس بقوم معينين خلاف الظّاهر ، ويعتذر عنه بأن الألف واللّام كما تكون للاستغراق ، فقد تكون أيضا للعهد . فصل في بيان لفظة « كان » قال القرطبيّ « 1 » : لفظة « كان » على هذه الأقوال على بابها من المضيّ المنقضي ، وكان من قدّر الناس في الآية مؤمنين قدّر في الكلام : فاختلفوا ، فبعث اللّه ، ويدلّ على هذا الحذف قوله : « وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ » وكل من قدّرهم كفّارا كانت بعثة النبيين إليهم ، ويحتمل أن تكون « كان » للثّبوت ، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله : أنهم أمة واحدة من خلوّهم عن الشرائع ، وجهلهم بالحقائق لولا أنّ اللّه تعالى منّ عليهم بالرسل ؛ تفضلا منه ؛ فعلى هذا لا تختصّ « كان » بالمضيّ فقط ، بل يكون معناها كقوله تعالى وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [ النساء : 96 ] وقوله : « فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ » قال بعض المفسرين « 2 » : وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا ، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، والمذكور في القرآن بأسمائهم : ثمانية عشر نبيّا . قوله تعالى : « مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ » * حالان من « النّبيّين » . قيل : وهي حال مقارنة ؛ لأنّ بعثهم كان وقت البشارة والنّذار وفيه نظر ؛ لأنّ البشارة والنّذارة [ بعد البعث . والظاهر أنها حال مقدّرة ، وقد تقدّم معنى البشارة والنذارة ] في قوله : أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [ يونس : 2 ] . وقوله : « وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ » هذا الظرف فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلّق بأنزل . وهذا لا بدّ فيه من تأويل ؛ وذلك أنّه يلزم من تعلّقه بأنزل أن يكون النبيون مصاحبين للكتاب في الإنزال ، وهم لا يوصفون بذلك ؛ لعدمه فيهم . وتأويله : أنّ المراد بالإنزال الإرسال ، لأنّه مسبّب عنه ، كأنّه قيل : وأرسل معهم الكتاب فتصحّ مشاركتهم له في الإنزال بهذا التّأويل . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف ، على أنه حال من الكتاب ، وتكون حالا مقدرة ، أي :
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 22 - 23 . ( 2 ) ينظر : القرطبي 3 / 23 .